You are currently browsing the monthly archive for فبراير 2011.

باسمك اللهم

لطالما أحببت لحظات الشروق على الغروب ، فالشروق ينتشلني بخيوط النور فتحلق روحي وتطير وتتصاعد مع ارتفاعها في السماء. ولطالمى انتابتني مشاعر الكآبة واجتاحتني الأحزان عند الغروب. فيبعث الشجن فيني منظر قرص الشمس الأحمر وهو يضعف وينزوي خلف الأفق. على كل حال فالشروق والغروب يحكيان الكثير الكثير من ظواهر الكون وسنن الحياة فهذه بعض التأملات من وحي خيالي وبنيّات أفكاري.

فمتأمل لحظات الغروب والشروق الأولى يبصر السنن الكونية في الصراع بين الظلمة والنور والحق الباطل.

يبصر في غروب الشمس وتواريها نزول الظلمة وهبوطها الثقيل، وليس إلى هذا سبيل إلا حينما تبدأ الشمس بالضعف والنزول، فتتسلّط الظلمة وتجثو وتجثم على ما تبقّى من نور ، فالظلمة لا صعود له ولكنها في هبوط مستمر حتى تصل قعر الحضيض حيث مثواها ومستقرّها ومستودعها.

ويبصر كذلك أن الظلمة لا تأتي وحدها ، فكلّها خسّة وجبن! رعديدة لا تأتي إلّا في جحفل من السوقة والرعاع المطبلين الدنيئين. أتباعها كثر، يتقافزون عند أول ناعق يناديهم ويستصرخهم، تراهم يقبلون من كل كهف مظلم وحفرة سوداء ومن وخلف كل جماد كانوا يتوارون خلفه عن ضياء الشمس.

يبصر أن أن الظلمة لا أصل لها ولا منبع لكنها تأتي من كل مكان، فهي أقل من أن تكون مبدأ أو منهاجا يتّخذه عاقل ، بل كل صعلوك وخسيس دنيء يلبي نداءه، بل ويستطيع أن يكون رباً من أربابه!

يبصر أعظم السنن الكونية تتجلى في أن الظلمة ذكيةٌ وماكرة ، لا تأتي بغتة ، بل تتسلل حتى تتمكن. وكلمة حق تقال في الظلمة ، أنها تكيد بصبر حتى تتمكن من الظفر.

ويبصر في الغروب أن مهما ضعف النور وخبى ضوءه، فإنّه لا ينطفئ أبداً ، بل إن أتباعه المخلصين تجدهم غصة في كبد الظلام. كنجوم الكون علامات تضيء كجواهر ترصعت بها عباءة الظلام فهدى وبشرى بها يهتدون ، رغم الظلمة وجورها ، لا تطالهم ولا تنالهم فهم بعيدون كل البعد عن سلطانها ونوالها. قد نأوا بأنفسهم عنها.

أمّا القمر، فذلك الباسل أصبح مناراً في أحلك الأوقات. ينغّص عيش الظلمة ويقضّ مضجعها ، مذكراً إيّاها بوجود النور ودنوّ إيضاءه مهما ابتعد في مكانه. فتراه يحرق وشاح الظلمة الأسود بأنواره. ينقل عن النور ضياءه ليقتلع أوتاد الظلام ويقطع أطنابها ، فيثبت الأقدام ويربط على قلوب المظلومين ، مبشراً بقرب النور واقترابه وأنّهم منتصرون ظاهرون طال الزمان أم قصر. ولكن قد يعتريه ضعف أو قوّة ، سطوع أو عتمة فتراه منتصراً في ابتداره ضعيفا عندما يكون هلالاً. ولكنّه مهما ضعف فإنه عائد بل وإن مات ستراه يبعث مرّة أخرى من رفاته ويحيى من رماده ليواصل فيكمل الرسالة ويواصل المسير.

أمّا من يشاهد لحظات الشروق يجد أنّها لحظات النصر والعز والتمكين وقلب الموازين. فتجد النور يتصاعد بسرعة. لا يحتاج إلى تخطيط وتدبير وتدليس وتزوير ومؤامرة حتى يظهر. فقلّة قليلة تصعد بمشعل الضياء من تلك الزاوية الصغيرة الشديدة الظلمة. ولأنه الحق تجده لا ينبلج إلّا من أحلك ركائم الظلمة ليبعثرها في الفضاء هاربة لا تعقّب.

فمن يبصر بتمعّن يجد أنّ النّور موجود مهما طغت الظلمة في جورها وبطشها إما ضوءاً من نجومه أو في أقماره ، لكن لابد من أن يحمل مشعل النّور حامل يتباشر الكون بقدومه. فترى أذناب الظلام تتوارى من سوء ما فيها مع تباشير الصبح مذعورة من الشمس التي قدمت في عسكر من النور يطرد فلول الظلمة، فتضرب الشمس بسياط نورها ، تمزق عباءة الظلام وتقرع رؤوسها بأعمدة الضياء ، تطرد أتباع الظلمة في فضاء الكون مشرداً بهم يصعدون ولا يلوون.

ولأن النور هو الحق المستبين ، تراه لا يبغي في قوتّه فأتباع الظلام في عهده في عدل لا يبغي عليهم باغ. تجدهم والشمس مستوية في رابعة السماء تزينت بخيوط النور وشرائط الضياء ، تحكم كقاضٍ في نوازل الكون فترى بقايا الظلام تتوارى في الظلال خلف الأشجار والأحجار. تراهم خائفين مذعورين يميلون كلما مالت الشمس خوفاً ، صاغرين يلعنون الظلمة وأنفسهم يوم أن تبعوها.

Advertisements
فبراير 2011
س د ن ث ع خ ج
« يناير   أبريل »
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728